ابن الجوزي

271

صيد الخاطر

ويدل على تفاوت الهمم أن في الناس من يسهر في سماع سمر ولا يسهل عليه السهر في سماع القرآن . والانسان يحشر ومعه تلك الهمة ، فيعطى على مقدار ما حصلت في الدنيا ، فكما لم تتق إلى الكمال وقنعت بالدون قنعت في الآخرة بمثل ذلك . ثم إن القوم يتفكرون بعقولهم ، فيعلمون أن الجزاء على قدر العمل ، ولا يطمع من صلى ركعتين في ثواب من صلى ألفا . فان قال قائل : فكيف يتصور لها أن تروم ما ناله من هو أفضل منها ؟ قلت : ان لم يتصور نيله يتصور الحزن على فوته ، وهل رأيت عاميا يحزن على فوات الفقه حزنا يقلقه ؟ هيهات . لو كان ذلك الحزن عنده لحركه إلى التشاغل . فليس عندهم همة توجب الأسف مع أنهم قد رضوا بما هم فيه . فافهم ما قلته وبادر ، فهذا ميدان السباق . 225 - حكمة بقاء أهل الكتاب تفكرت في إبقاء اليهود والنصارى بيننا وأخذ الجزية منهم ، فرأيت في ذلك حكما عجيبة . منها ما قد ذكر من أن الاسلام كان ضعيفا فتقوى بما يؤخذ من جزيتهم ، ومنها ظهور عزه « 1 » بذلهم إلى غير ذلك مما قد قيل . ووقع لي فيه معنى عجيب . وهو أن وجودهم وتعبدهم وحفظهم شرع نبيهم صلّى اللّه عليه وسلم ليس ببدع من الرسل ، فقد اجتمعت الجن وهم على إثبات صانع ، واقرار برسل ، فبان أننا ما ابتدعنا ما لم يكن . وهم يصبرون على باطلهم ، ويؤدون الجزية ، فكيف لا نصبر على حق ، والدولة لنا ، وفي بقائهم احترام لما كان صحيحا من الدين وليرجع متبصر وليستعمل مفكر . 226 - الاشتغال بفن واحد قد ثبت بالدليل شرف العلم وفضله ، إلا أن طلاب العلم افترقوا ، فكل تدعوه نفسه إلى شيء ، فمنهم من أذهب عمره في القراءات ، وذاك تفريط في العمر ، لأنه إنما ينبغي أن يعتمد على المشهور منها لا على الشاذ ، وما أقبح بالقارئ أن يسأل

--> ( 1 ) العزة للّه ورسوله وللمؤمنين ، فمن أراد أن ينال عزة المؤمنين ، فليتمسك بالدين .